يحق لكل مسلم نشر هذه الرسائل من غير تغيير خطوطها ويذكر أصلها ولا لغرض تجاري

الاثنين، 7 مايو، 2012

وصية أبو عثمان الصابوني



     هذا ما أوصى به إسماعيل بن عبد الرحمن بن إسماعيل أبو عثمان الصابوني, الواعظ غير المتعظ, الموقظ غير المتيقظ , الآمر غير المؤتمر, الزاجر غير المنزجر, المتعلم المعترف, المنذر المخوف, المخلط المفرط, المسرف, المقترف للسيئات المغترف, الواثق مع ذلك برحمة ربه, الراجي لمغفرته , المحب لرسول الله, الداعي الناس إلى التمسك بسنته وشريعته  صلى الله عليه وسلم.
     أوصى وهو يشهد أن لا إله إلا الله, وحده لا شريك له,  إلها واحدا أحدا, فردا صمدا, لم يتخذ صاحبة ولا ولدا, ولم يشرك في حكمه أحدا, الأول الآخر, الظاهر الباطن, الحي القيوم, الباقي بعد فناء خلقه.
     المطلع على عباده, العالم بخفيات الغيوب, الخبير بضمائر القلوب, المبدىء المعيد, الغفور الودود, ذو العرش المجيد, الفعال لما يريد, ﴿ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ﴾ هو مولانا فنعم المولى ونعم النصير.
     يشهد بذلك كله مع الشاهدين, مقرا بلسانه عن صحة اعتقاد, وصدق يقين, و يتحملها عن المنكرين الجاحدين, ويعدها ليوم الدين, ﴿ يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ﴾, ﴿ يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاولا هم ينصرون, إلا من رحم الله, إنه هو العزيز الرحيم ﴾.
     ويشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله, أرسله بالهدى ودين الحق, ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.
     ويشهد أن الجنة حق وجملة ما أعد الله تبارك وتعالى فيها لأوليائه حق، ويسأل مولاه الكريم جل جلاله أن يجعلها مأواه ومثواه فضلا منه وكرما.
     ويشهد أن النار وما أعد الله فيها لأعدائه حق, ويسأل الله مولاه أن يجيره منها, ويزحزحه عنها, ويجعله من الفائزين, قال الله عز وجل ﴿ فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز,  وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ﴾.
     ويشهد أن صلاته ونسكه ومحياه ومماته لله رب العالمي,ن لا شريك له, وبذلك أمرت وأنا من المسلمين, والحمد لله رب العالمين.
     وأنه رضي بالله ربا, وبالإسلام دينا, وبمحمد نبيا, وبالقرآن إماما, على ذلك يحيي وعليه يموت إن شاء الله عز وجل.
     ويشهد أن الملائكة حق, وأن النبيين حق, وأن الساعة لا ريب فيها, وأن الله يبعث من في القبور.
     ويشهد أن الله سبحانه وتعالى قدر الخير وأمر به, ورضيه ,وأحبه, وأراد كونه من فاعله, ووعد حسن الثواب على فعله, وقدر الشر, وزجر عنه, ولم يرضه, ولم يحبه, وأراد كونه من مرتكبه, غير راض به, ولا محب له, تعالى ربنا عما يقول الظالمون علوا كبيرا, وتقدس أن يأمر بالمعصية, أو يحبها, ويرضاها, وجل أن يقدر العبد على فعل شيء لم يقدره عليه, أو يحدث من العبد ما لا يريده ولا يشاؤه.
     ويشهد أن القرآن كتاب الله وكلامه, ووحيه وتنزيله, غير مخلوق, وهو الذي في المصاحف مكتوب, وبالألسنة مقروء, وفي الصدور محفوظ , وبالآذان مسموع,  قال الله تعالى: ﴿ وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ﴾، وقال:﴿ بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ﴾, وقال: ﴿ إن الذين يتلون كتاب الله ﴾, وقال: ﴿ إن هو إلا ذكر وقرآن مبين ﴾.
     ويشهد أن الإيمان تصديق بالقلب بما أمر الله أن يصدق به, وإقرار باللسان بما أمر الله أن يقر به, وعمل بالجوارح بما أمر الله أن يعمل به, وانزجار عما زجر عنه من كسب قلب, وقول لسان, وعمل جوارح, وأركان.
     ويشهد أن لله سبحانه وتعالى مستو على عرشه, استوى عليه كما بينه في كتابه, في قوله تعالى: ﴿ إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ﴾, وقوله: ﴿ استوى على العرش الرحمن فسئل به خبيرا ﴾,  في آيات أخر, والرسول صلى الله عليه وسلم تسليما فيما نقل عنه, من غير أن يكيف استواءه عليه, أو يجعله لفعله وفهمه أو وهمه سبيلا إلى إثبات كيفيته, إذ الكيفية عن صفات ربنا منفية.
     قال إمام المسلمين في عصره أبو عبد الله مالك بن أنس رضي الله عنه في جواب من سأله عن كيفية الاستواء: (( الاستواء معلوم, والكيف مجهول, والإيمان به واجب,  والسؤال عنه بدعة, وأظنك زنديقا, أخرجوه من المسجد )).
     ويشهد أن الله تعالى موصوف بصفات العلى, التي وصف بها نفسه في كتابه, وعلى لسان نبيه  لا ينفي شيئا منها, ولا يعتقد شبها له بصفات خلقه, بل يقول: إن صفاته لا تشبه صفات المربوبين, كما لا تشبه ذاته ذوات المحدثين, تعالى الله عما يقول المعطلة والمشبهة علوا كبيرا.
     ويسلك في الآيات التي وردت في ذكر صفات البارىء جل جلاله والأخبار التي صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بابها, كآيات مجيء الرب يوم القيامة, وإتيان الله في ظلل من الغمام, وخلق آدم بيده, واستوائه على عرشه, وكأخبار نزوله كل ليلة إلى سماء الدينا, والضحك, والنجوى, ووضع الكنف على من يناجيه يوم القيامة, وغيرها, مسلك السلف الصالح, وأئمة الدين من قبولها, و روايتها على وجهها, بعد صحة سندها, وإيرادها على ظاهرها, والتصديق بها, والتسليم لها, واتقاء اعتقاد التكييف والتشبيه فيها, واجتناب ما يؤدي إلى القول بردها, وترك قبولها أو تحريفها بتأويل يستنكر, ولم ينزل الله به سلطانا, ولم يجر به للصحابة والتابعين والسلف الصالحين لسان.
     وينهى في الجملة عن الخوض في الكلام, والتعمق فيه, وفي الاشتغال بما كره السلف رحمهم الله الاشتغال به, ونهوا وزجروا عنه, فإن الجدال فيه, والتعمق في دقائقه, والتخبط في ظلماته كل ذلك يفسد القلب, ويسقط منه هيبة الرب جل جلاله, ويوقع الشبه الكبيرة فيه, ويسلب البركة في الحال, ويهدي إلى الباطل والمحال, والخصومة في الدين والجدال, وكثرة القيل والقال, في الرب ذي الجلال, الكبير المتعال, سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا, والحمد لله على ما هدانا من دينه وسنة نبيه صلوات الله وسلامه عليه حمدا كثيرا.
     ويشهد أن القيامة حق, وكل ما ورد به الكتاب والأخبار الصحاح من أشراطها, وأهوالها, وما وعدنا به, وأُوعِدْنا به فيها, فهو حق نؤمن به, ونصدق الله سبحانه, ورسوله أخبر به عنه , كالحوض, والميزان, والصراط, وقراءة الكتب, والحساب, والسؤال, والعرض, والوقوف, والصدر عن المحشر إلى جنة, أو إلى نار مع الشفاعة الموعودة لأهل التوحيد, وغير ذلك مما هو مبين في الكتاب, ومدون في الكتب الجامعة لصحاح الأخبار.
     ويشهد بذلك كله في الشاهدين, ويستعين بالله تبارك وتعالى في الثبات على هذه الشهادات, إلى الممات, حتى يتوفى عليها في جملة المسلمين المؤمنين, الموقنين الموحدين.
     ويشهد أن الله تبارك وتعالى يمن على أوليائه بوجوه ناضرة إلى ربها ناظرة, ويرونه عيانا في دار البقاء, لا يضارون في رؤيته, ولا يمارون, ولا يضامون, ويسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل وجهه من تلك الوجوه, ويقيه كل بلاء وسوء ومكروه, ويبلغه كل ما يؤمله من فضله ويرجوه بمنه.
     ويشهد أن خير الناس بعد رسول الله أبا بكر الصديق, ثم عمر الفاروق, ثم عثمان بن عفان, ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين, ويترحم على جميع الصحابة , ويتولاهم و يستغفر لهم, وكذلك ذريته وأزواجه أمهات المؤمنين, ويسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعله معهم, ويرجو أن يفعله به, فإنه قد صح عنده من طرق شتى أن رسول الله  قال: (( المرء مع من أحب )).
     ويوصي إلى من يخلفه من ولد و أخ, وأهل وقريب, وصديق, وجميع من يقبل وصيته من المسلمين عامة, أن يشهدوا بجميع ما شهد به, وأن يتقوا الله حق تقاته, وألا يموتوا إلا وهم مسلمون، ﴿ إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ﴾.
     ويوصيهم بصلاح ذات البين, وصلة الأرحام, والإحسان إلى الجيران, والأقارب والإخوان,  ومعرفة حق الأكابر,  والرحمة على الأصاغر.
     وينهاهم عن التدابر والتباغض, والتقاطع والتحاسد, ويأمرهم أن يكونوا إخوانا, على الخيرات أعوانا, وأن يعتصموا بحبل الله جميعا ولا يتفرقوا,  ويتبعوا الكتاب والسنة ,وما كان عليه علماء الأمة, وأئمة الملة, كمالك بن أنس, والشافعي, وسفيان الثوري,  وسفيان بن عيينة, وأحمد بن حنبل, وإسحاق بن إبراهيم,  ويحيى بن يحيى, وغيرهم من أئمة المسلمين, وعلماء الدين, رضي الله عنهم أجمعين, وجمع بيننا وبينهم في ظل طوبى ومستراح العابدين.
     أوصى بهذا كله إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني إلى أولاده, وأهله, وأصحابه, ومختلفة مجالسه.
     وأوصى أنه إذا نزلت به المنية التي لا شك أنها نازلة, والله يسأل خير ذلك اليوم الذي تنزل المنية به فيه, وخير تلك الليلة التي تنزل به فيه, وخير تلك الساعة, وخير ما قبلها, وخير ما بعدها, أن يلبس لباسا طيبا حسنا, طاهرا نقيا, ويوضع على رأسه العمامة التي كان يشدها في حال حياته, وضعا على الهيئة التي كان يضعها على رأسه أيام حياته , ويوضع الرداء على عاتقيه, ويضجع مستلقيا على قفاه, موجها إلى القبلة ,وتجلس أولاده عند رأسه, ويضعوا المصاحف على حجورهم, ويقرءوا القرآن جهرا.
     وحرج عليهم ألا يمكنوا امرأة لا قرابة بينه وبينها, ولا نسب ولا سبب, من طريق الزوجية تقرب من مضجعه تلك الساعة, أو تدخل بيتا يكون فيه.
     وكذلك يحرج عليهم أن يأذنوا لأحد من الرجال في الدخول عليه في تلك الساعة, بل يأمرون الأخ والأحباب, وغيرهم أن يجلسوا في المدرسة, ولا يدخلوا الدار, وليساعدوا الأصحاب في قراءة القرآن, وإمداده بالدعاء, فلعل الله سبحانه وتعالى أن يهون عليه سكرات الموت, ويسهل له اقتحام عقبة الموت على الإسلام , والسنة في سلامة وعافية.
     وأوصى إذا قضى نحبه, وأجاب ربه, وفارقت روحه جسده, أن يشد ذقنه, وتغمض عيناه, وتمد أعضاؤه, ويسجى بثوب, ولا يكشف عن وجهه, لنظر إليه إلا أن يأتيه غاسله, فيحمله إلى مغتسله, جعل الله ذلك الحمل مباركا عليه, ونظر بعين الرحمة إليه, وغفر له ما قدمه من الأعمال السيئة بين يديه.
     وأوصى ألا يناح عليه, وأن يمنع أولياؤه, وأقرباؤه , وأحباؤه, وجميع الناس من الرجال والنساء أنفسهم عن الشق والحلق, والتخريق للثياب والتمزيق, وألا يبكوا عليه إلا بكاء حزن قلب, ودموع عين لا يقدرون على ردهما, ودفعهما, وأما دعاء بويل ورن شيطان, وخمش وجوه, وحلق شعر ونتفه, وتخريق ثوب وتمزيقه وفتقه, فلا, وهو بريء ممن فعل شيئا من ذلك, كما برىء النبي صلى الله عليه وسلم.
وأوصى أن يعجل تجهيزه, وغسله, وتكفينه, وحمله إلى حفرته, ولا يحبس, ولا يبطأ به, وإن مات ضحوة النهار, أو وقت الزوال, أو بكرة فإنه لا يؤخر تجهيزه إلى الغد, ولا يترك ميتا بين أهله بالليل أصلا, بل يعجل أمره, فينقل إلى حفرته نقلا  بعد أن يغسل وتراويجعل في آخر غسلة من غسلاته كافور.
     ويكفن في ثلاثة أثواب بيض, سحولية, إن وجدت, فإن لم توجد سحولية, كفن في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص, ولا عمامة, ويجمر كفنه وترا, لا شفعا, قبل أن يلف عليه, ويسرع بالسير بجنازته, كما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم, ويحمل للصلاة عليه إلى ميدان الحسين, ويصلي عليه ولده أبو نصر,  إن كان حاضرا,  فإن عجز عن القيام بالصلاة عليه فأمر الصلاة عليه إلى أخيه أبي يعلى, ثم يرد إلى المدرسة فيدفن فيها بين يدي والده الشهيد رضي الله تعالى عنه, ويلحد له لحد, وينصب عليه اللبن نصبا.
     ولا يشق له شق, ولا يتخذ له تابوت أصلا, ولا يوضع في التابوت للحمل إلى المصلى,  وليوضع على الجنازة ملفوفا, في الكفن مسجى بثوب أبيض, ليس فيه إبريسم بحال.
     ولا يطين قبره, ولا يجصص, ويرش عليه الماء, ويوضع عليه الحصا, ويمكث عند قبره مقدار ما ينحر جزور, ويقسم لحمه حتى يعلم ما يراجع به رسل ربه جل وعلا, ويسأل الله تعالى على رأس قبره له التثبيت الموعود لجملة المؤمنين في قوله تعالى: ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾.
     ويستغفر له ولوالديه, ولجميع المؤمنين والمؤمنات, والمسلمين والمسلمات, ولا ينسى بل يذكر بالدعاء, فإن المؤمن إذا قبر كان كالغريق المبغوت, ينتظر دعوة صالحة تلحقه, ولا يمكن أحد من الجواري والنسوان أن يكشفن رءوسهن, وأن يندبنه في ذلك الوقت, بل يشتغل الكل بالدعاء والاستغفار, لعل الله سبحانه وتعالى يهون عليه الأمر في ذلك الوقت, ويسر خروج منكر ونكير من قبره على الرضا منه, وينصرفان عنه وقد قالا له: (( نم نومة العروس فلا روعة عليك ))، ويفتحان في قبره بابا من الجنة, فضلا من الله ومنة, فيفوز فوزا, ويحوز ثوابا كريما, ويلقى روحا وريحانا, وربا كريما رحيما. انتهى

وهذا كما ذكره تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية

الأربعاء، 18 أبريل، 2012

تكبير المقيد في أيام النحر


    أن التكبير في العيدين مطلق ومقيد، فالمقيد في أديار الصلوات، والمطلق في كل حالٍ زمانٍ ومكانٍ. وأن المقيد يختص في الأضحى، فيستحب التكبير في يوم النحر بعد الفرائض من صلاة الظهر إلى بعد صلاة الصبح آخر أيام التشريق، فيكبر عقيب خمس عشر صلاة، لأن الناس تبع للحاج بمنى وهو يوم العيد والثلاثة بعده، وهو ذكره التلبية حتى يرمى جمرة العقبة من ضحى يوم النحر، ثم يكون ذكره التكبير مع كل حصاة يرمونها، قال تعالى: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ ﴾. البقرة: ٢٠٠
وقال السيوطي: بأن رميتم جمرة العقبة وطفتم واستقررتم بمنى، فاذكروا الله بالتكبير والثناء.
وروى ابن عباس عن الفضل بن عباس وأسامة بن زيد، قال: لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يلبِّي حتى رمى جمرة العقبة. رواه البخاري ومسلم
    فحينئذ أول صلاة بعد ذلك الظهر، ولم يزالوا حتى صلاة الصبح في آخر أيام التشريق وهو آخر صلاة يصليها بمنى، ثم يخرجوا منها ليرمى بعد الزوال، قال تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ﴾. البقرة: ٢٠٣
وقال ابن عباس: الأيام المعدودات أيام التشريق. وقال عكرمة: وهو التكبير في أيام التشريق بعد الصلوات المكتوبة.
وروى نبيشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله. رواه مسلم
وروي عن عمر كان يكبّر في قبّته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبّرون ويكبر أهل الأسواق حتى ترتجّ منى تكبيرا، وكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام وخلف الصلوات وعلى فراشه وفي فُسطاطه ومجلسه وممشاه تلك الأيام جميعا. رواه البخاري
وروي هذا عن ابن عمر وزيد بن ثابت وعمر بن عبد العزيز وبه قال مالك والشافعي، وهو مشهور منه في رواية المزني والبويطي وفي الأم والقديم. وعن عثمان وأبي سعيد الخدري ورواية ابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت وبه قال الزهري: من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة العصر آخر التشريق وهو يوم نفر ألأول. وقال يحي الأنصاري: يكبر من الظهر يوم النحر إلى الظهر من آخر التشريق.
    والآخر من بعد صلاة الصبح يوم عرفة إلى بعد صلاة العصر آخر أيام التشريق، فيكبر عقب ثلاث وعشرين صلاة، لما روى محمد بن أبى بكر الثقفي، قال: سألت أنسا، ونحن غاديان من منى إلى عرفات، عن التلبية: كيف كنتم تصنعون مع النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: كان يلبِّى الملبِّى لا ينكر عليه، ويكبِّر المكبِّر فلا ينكر عليه. رواه البخاري ومسلم
وعن ابن عمر، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غداة عرفة، فمِنَّا المكبِّر ومِنَّا المهلِّل، فأمّا نحن فنكبِّر. رواه مسلم
وعن جابر، قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى الصبح يوم عرفة، وأقبل علينا، فقال: الله أكبر الله أكبر، ومد التكبير إلى العصر من آخر أيام التشريق. رواه الدارقطني
وعن عليّ وعمار، قالا: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر في المكتوبات ببسم الله الرحمن الرحيم، وكان يقنت في صلاة الفجر، وكان يكبِّر يوم عرفة من صلاة الصبح، ويقطعها صلاة العصر آخر أيام التشريق. رواه الحاكم في المستدرك
    وآخِرها صلاة العصر آخِر أيام التشريق ليتعين في جميع أيامه كله. وروي هذا عن عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود وبه قال الثوري وابن عيينة وأبو يوسف ومحمد وأحمد وأبو ثور وقول للشافعي، واختاره أكثر أصحابنا كالمزني وابن سريج والنووي وغيرهم. وفي رواية ابن مسعود وبه قال علقمة والنخعي وأبو حنيفة: من صبح عرفة إلى عصر النحر ولا في التشريق بتعيين يوم العشر فقط. وعن سعيد بن جبير ورواية الزهري وبه قال داود: من ظهر يوم عرفة إلى عصر آخر التشريق. وعن الحسن: من الظهر إلى ظهر اليوم الثاني من أيام التشريق.
    وقال الشافعي في الأم: لو بدأ بالتكبير خلف صلاة المغرب ليلة النحر لم أكره ذلك.
    وقال الخطابي: حكمة التكبير في هذه الأيام أن الجاهلية كانوا يذبحون لطواغيتهم فيها فشرع التكبير فيها إشارة إلى تخصيص الذبح له وعلى اسمه عز وجل. والله تعالى أعلم.

الأحد، 8 أبريل، 2012

دعاء الإستفتاح


    يستحب للمصلى بعد التكبير أن يقرأ دعاء الإستفتاح، وهذا إتفاق الصحابة والتابعين ومن بعدهم من العلماء إلا مالك فقال: لا يأتى بدعاء الإستفباح ولا بشئ بين القراءة والتكبير أصلا، بل يقول الله أكبر، الحمد لله. واحتج بما روى أنس، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين. رواه البخاري ومسلم. فقال ابن حجر العسقلاني: وكأن هذا هو السر في إيرادته، وأجاب النووي على أنهم يقرءون الفاتحة قبل السورة، وليس المقصود أنه لا يأتى بدعاء الإستفتاح.
    ولا يستحب له في صلاة الجنازة، وللمأموم إن خاف فوت إستماع قراءة إمامه، وللمسبوق إذا أدراك الإمام في غير القيام.
    ولفظه ما روي عن علي بن أبي طالب قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة قال: وجّهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفرلي ذنوبي جميعا لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبّيك وسعديك والخيرُ كله في يديك، والشر ليس إليك أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت أستغفرك وأتوب إليك. رواه مسلم وغيره إلا البخاري، ولفظ مسلم مقيد بصلاة الليل وعن الشافعي وابن خزيمة وابن حبان بالمكتوبة والعمل بالجمع، وأما لفظ وأنا من المسلمين في رواية أخرى لمسلم وأنا أول المسلمين، وقال الشافعي: لأنه صلى الله عليه وسلم كان أول مسلمي هذه الأمة.
    وفي رواية عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسكت بين التكبير وبين القراءة إسكاتة، قال: أحسبه، قال:هُنَيّة، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إسكاتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقّني من الخطايا كما يُنقّى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسل مخطاياي بالثلج والماء والبرَد. رواه البخاري وغيره إلا الترمذي
    وعن ابن عمر قال: بينما نحن نصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال رجل في القوم: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من القائل كذا وكذا؟ قال رجل من القوم: أنا يا رسول الله، قال: عجبت لها كلمة فتحت لها أبواب السماء. قال ابن عمر: فما تركتهن منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك. رواه مسلم
    وعن أنس: أن رجلا جاء، فدخل الصف وقد حفزه النفس، فقال: الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، فلمّا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته قال: أيكم المتكلم بالكلمات؟ فأرمّ القوم، فقال: أيكم المتكلم بها، فإنه لم يقل بأسا؟ فقال رجل: جئت وقد حفزني النفس فقلتها، فقال: رأيت اثنى عشر ملكا يبتدرونها أيهم يرفعها. رواه مسلم، ولفظ أبى داود والنسائي بزيادة الله أكبر في أوله.
    وعن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استفتح الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدُّك، ولا إله غيرك. رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة بإسناد صحيح، ورواه أيضا أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري مثله، وزاد في آخره: ثم يقول: لا إله إلا الله ثلاثا، ثم يقول: الله أكبر كبيرا ثلاثا، أعوذ بالله السميع العليم، من همزه ونفخه ونفثه، ثم يقرأ. وهذا مختص في قيام الليل، ورواه الدارقطني بإسناد صحيح عن أنس.
    وعن جابر بن عبد الله، قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استفتح الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له. رواه البيهقي
    والروايات آخر في قيام الليل كثيرة.
    وقال أكثر أهل العلم: بأيها استفتح حصل سنة الإستفتاح، ولكن الأفضل عند الشافعي والأصحاب أن يقرأ ما في رواية علي، لانها لفظ التوجيه، وروي هذا عن علي بن أبى طالب وقال به ابن المنذر. وروي عن عمر وابن مسعود والأوزعي والثوري أنهم استفتح بما في رواية عائشة وقال به أحمد وإسحاق وأصحاب الرأي. واختار أبو إسحاق المروزي والقاضى أبو حامد من أصحابنا وأبو يوسف من أصحاب الرأي بحديث جابر. واختار بعض أهل الحديث بحديث أبي هريرة لأنه الأصح وأكثر رواته.
    والأفضل أن يجمع المنفرد كلها، وقال أصحابنا: ويزاد ما في رواية علي بما في رواية أبى هريرة ثم ابن عمر ثم أنس، فهذا مخالف لما عمل كثير الناس بلادنا الذين يبتدئوا بما في رواية ابن عمر، وهم يعتمدوا على ما في كتاب الأذكار النووي، وهذا خطاء، والله أعلم.
    وللإمام أن يقتصر إلى وأنا من المسلمين ليبتدئ قراءته، إلا من خلفه رضوا بتطويله، وهذا في الجهرية وكذا في السرية ، وكذا المأموم أن يعجل قراءته حتى إلى وأنا من المسلمين أيضا ليسمع قراءة إمامه، ويتوقفه إذا ابتدأ الإمام القراءة. وأما ما قاله البغوي: ولو أحرم مسبوق فأمن الإمام عقب إحرامه أمن ثم أتى بالإستفتاح لأن التأمين يسير، فقلت: بشرط هنا قدر يساع قراءة الفاتحة بعدها، قبل الإمام يقرأ السورة لاستماعه، والله أعلم.
    ولا تجهر بقراءة الإستفتاح، وروى عن عمر أنه يجهره فأجاب العلماء على أنه ليعلم المأمومين. وإذا نسي الإستفتاح او تركه عمدا حتى تشرع التعوذ لم يعد إليه لفوات محله ولا يتداركه في باقى الركعات.